السعر قرار وليس ردّة فعل - ماذا علّمتني المصارف عن بيع القيمة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
هيلدا معلوف ملكي خبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد | عضو رسمي في مجلس فوربس لتطوير الأعمال | رئيسة لجنة الذكاء الاصطناعي والابتكار – أندية الليونز الدولية، المقاطعة 351 (لبنان، الأردن، فلسطين
عندما شاركت مؤخرًا في إحدى حلقات الخبراء في Forbes حول كيفية نجاح المؤسسات في بيع القيمة بدلًا من الدخول في حرب الخصومات، كانت إجابتي مختصرة بسبب طبيعة النقاش. قلت ببساطة: “السعر قرار وليس ردّة فعل.”
وأضافت أنني أفضل الانسحاب من أي صفقة يقتصر النقاش فيها على السعر، لأن هذا النوع من العملاء نادرًا ما يبني قيمة طويلة الأمد للمؤسسة. كما أن ربط حوافز فرق المبيعات بالربحية التي يحققها العميل، وليس بمجرد إغلاق الصفقة، يدفعهم إلى التفكير بمنطق مختلف... شرط أن يمتلكوا منذ البداية معايير واضحة لقياس العائد على الاستثمار (ROI) تساعدهم على اتخاذ القرار الصحيح.
هذه القناعة لم تأتِ من النظريات. بل من أكثر من خمسة وعشرين عامًا قضيتها داخل القطاع المصرفي اللبناني، حيث رأيت كيف يمكن لقرار بسيط يتعلق بالسعر أن يؤثر في مستقبل العلاقة مع العميل، وربحية المؤسسة، وحتى مكانتها في السوق.
لماذا تتنافس المؤسسات الذكية على السعر؟
في معظم الحالات، لا تكون المنافسة على السعر خيارًا استراتيجيًا بل تكون مؤشرًا على وجود مشكلة أعمق. قد تكون المؤسسة لم تحدد بوضوح القيمة التي تقدمها. أو أن فرق المبيعات لا تدرك فعليًا ما الذي يميز المؤسسة عن منافسيها. أو أن نظام الحوافز يكافئ عدد الصفقات، لا جودة العملاء. في القطاع المصرفي اللبناني، رأيت هذا المشهد يتكرر سنوات طويلة. تفوز مؤسسة بعميل كبير لأنها قدمت سعرًا أفضل أو شروطًا أكثر مرونة. لكنها في الحقيقة لم تربح علاقة. لقد ربحت صفقة فقط. والأخطر من ذلك أنها أرسلت رسالة غير مباشرة إلى العميل مفادها أن السعر هو العامل الوحيد الذي يمكن التفاوض عليه. ومن الصعب جدًا تغيير هذا الانطباع لاحقًا.
وينطبق الأمر نفسه على كثير من الأسواق العربية. ففي لبنان والخليج والأردن ومصر، كثيرًا ما تختلط علينا العلاقة الشخصية بالولاء الحقيقي. لكن العميل الذي يبقى بسبب العلاقة وحدها يختلف تمامًا عن العميل الذي يبقى لأنك قدمت له أقل سعر. الأول يمكن بناء شراكة طويلة معه. أما الثاني فسيرحل بمجرد أن يحصل على عرض أفضل.
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي هذه المعادلة؟
تحدثت في مقال سابق عن أن الذكاء الاصطناعي يخفض تكلفة القدرات التنافسية. واليوم أصبحت الأدوات التي كانت تحتاج إلى استثمارات ضخمة متاحة لمعظم المؤسسات. وهذا يعني أن الميزة لم تعد في امتلاك التكنولوجيا وحدها. بل في القدرة على استخدامها لبناء قيمة يصعب تقليدها. وأصبحت عناصر مثل فهم العميل، وجودة العلاقة، وسرعة اتخاذ القرار، ووضوح عرض القيمة، أهم بكثير من القدرة على تقديم خصم إضافي.
لماذا يجب ربط الحوافز بالربحية؟
من أكثر الأفكار التي أؤمن بها أن طريقة قياس أداء فرق المبيعات تحدد سلوكها. إذا كانت المكافآت مرتبطة بعدد الصفقات، فسيركز الجميع على الإغلاق بأي ثمن. أما إذا أصبحت مرتبطة بربحية العميل واستمرارية العلاقة، فسيتغير أسلوب التفكير بالكامل. لن يعود السؤال: “كيف أغلق الصفقة؟” بل سيصبح: “هل هذا العميل سيضيف قيمة حقيقية للمؤسسة خلال السنوات المقبلة؟” لكن هذا التحول لا ينجح بمجرد تغيير نظام المكافآت. فالموظف يحتاج إلى أدوات تساعده على اتخاذ القرار الصحيح. وهنا تأتي أهمية وجود معايير واضحة لقياس العائد على الاستثمار. ليست كإجراء بيروقراطي، بل كأداة تمنحه الثقة لرفض الفرص التي لا تحقق القيمة المطلوبة، حتى عندما يكون صاحبها عميلًا تربطه به علاقة شخصية.
وفي ثقافة الأعمال العربية، حيث تلعب العلاقات دورًا محوريًا، تصبح هذه المعايير أكثر أهمية. فهي تنقل قرار الرفض من كونه موقفًا شخصيًا إلى كونه قرارًا مؤسسيًا يستند إلى أسس واضحة.
ماذا أضاف الذكاء الاصطناعي؟
قبل سنوات قليلة، كانت عملية تقييم ربحية العميل تتطلب تحليلات معقدة تستغرق وقتًا طويلًا. أما اليوم، فأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحليل البيانات السلوكية، وسجل التعاملات، واحتمالات الاستمرار، وفرص البيع الإضافي، واحتمالات فقدان العميل، خلال وقت قصير جدًا. وهذا لا يغير المبدأ الأساسي. السعر يبقى قرارًا، وليس ردّة فعل. لكن الذكاء الاصطناعي يجعل هذا القرار أكثر دقة، وأكثر سرعة، وأكثر استنادًا إلى البيانات.
القيمة هي أفضل استراتيجية تسعير
أعتقد أن المؤسسات العربية، وهي تعيد اليوم بناء نماذجها التجارية في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، تملك فرصة حقيقية للانتقال من المنافسة على السعر إلى المنافسة على القيمة. ويتحقق ذلك عبر ثلاثة عناصر متكاملة:
- عرض قيمة واضح يصعب تقليده.
- نظام حوافز يكافئ الربحية لا حجم المبيعات فقط.
- استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم القرارات التجارية بالبيانات والتحليلات.
فالمؤسسة التي تعرف قيمة ما تقدمه، لا تحتاج إلى أن تجعل السعر وسيلتها الوحيدة للمنافسة.
وفي النهاية، يبقى السعر رقمًا.
أما القيمة فهي ما يجعل العميل يختارك حتى عندما لا تكون الأرخص.
إذا كانت مؤسستكم تعمل على تطوير استراتيجيات التسعير، أو بناء نماذج تجارية جديدة، أو توظيف الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، فسيسعدني مواصلة هذا الحوار معكم.
يمكنكم متابعة المزيد من مقالاتي عبر hildamaaloufmelki.com، أو الاطلاع على كتابي «الذكاء الاصطناعي ببساطة».
---
عن الكاتبة
هيلدا معلوف ملكي هي خبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد، وعضو رسمي في مجلس فوربس لتطوير الأعمال، ورئيسة لجنة الذكاء الاصطناعي والابتكار في أندية الليونز الدولية – المقاطعة 351 (لبنان، الأردن، فلسطين)، ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة».
تمتلك أكثر من خمسة وعشرين عامًا من الخبرة في القطاع المصرفي، والتحول الرقمي، واستراتيجيات العلامات التجارية، والذكاء الاصطناعي. وتقدم الاستشارات للقيادات التنفيذية والمؤسسات في مجالات استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وحوكمته، والاستخدام المسؤول له، والتحول المؤسسي، بما يساعد المؤسسات على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة أعمال مستدامة وميزة تنافسية طويلة الأمد.
تابعوا AI Simplified على منصة Substack للحصول على تحليلات ورؤى مبنية على الأدلة حول الذكاء الاصطناعي، والقيادة، والحوكمة، ومستقبل الأعمال.
الموقع الإلكتروني: hildamaaloufmelki.com

