قبل أسابيع، شاركت في إحدى حلقات الخبراء في Forbes حول كيفية استعداد المؤسسات لمواجهة الصدمات التنافسية في استراتيجيات دخول الأسواق (Go-to-Market Strategy). وكان جوهر إجابتي بسيطًا، لكنه يحمل أبعادًا استراتيجية عميقة.
قلت إن المؤسسات ينبغي أن تختبر استراتيجياتها أمام واقعين متزامنين: تباطؤ الاقتصاد وما يفرضه من ضغوط على الإنفاق، والانخفاض المتسارع في تكلفة القدرات التنافسية نتيجة الذكاء الاصطناعي. أما الاستجابة، فلا ينبغي أن تقتصر على خفض التكاليف، بل يجب أن تشمل تسريع اتخاذ القرار، وتحويل الفرص إلى إيرادات بكفاءة أعلى، والتركيز على عدد أقل من الحوارات، لكن مع الأشخاص الأكثر تأهيلاً لاتخاذ قرار الشراء أو الشراكة، مع وجود مسار واضح لتحقيق الإيرادات منذ اليوم الأول.
لكن ما لم تسمح مساحة المقال في فوربس بشرحه، هو الفكرة التي أراها اليوم أكثر أهمية للمؤسسات في لبنان والمنطقة العربية.
في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لن تنتصر المؤسسة التي تمتلك أكبر قاعدة من العملاء المحتملين، بل المؤسسة التي تعرف مع من يجب أن تتحدث.
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد المنافسة؟
طوال العقدين الماضيين، كانت المؤسسات الكبرى تتمتع بميزة يصعب على المنافسين تقليدها. فبناء نماذج تحليل متقدمة، أو تطوير أنظمة دقيقة لإدارة المخاطر، أو تخصيص تجربة العملاء على نطاق واسع، كان يتطلب ميزانيات ضخمة وفرقًا متخصصة واستثمارات تقنية لا تستطيع معظم المؤسسات تحملها.
اليوم تغيّر المشهد بالكامل.
فالذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة الوصول إلى هذه القدرات بصورة غير مسبوقة. وأصبحت مؤسسة متوسطة الحجم في لبنان، أو شركة استشارية في الأردن أو الخليج أو مصر، قادرة على استخدام أدوات كانت حتى سنوات قليلة حكرًا على المؤسسات ذات الميزانيات التقنية الضخمة. وهذا يعني أن الميزة التنافسية التي كانت تعتمد على امتلاك التكنولوجيا وحدها بدأت تتآكل بسرعة.
ولذلك لم يعد السؤال “من يمتلك أفضل الأدوات؟” بل أصبح: “من يعرف كيف يستخدم الأدوات لبناء قيمة يصعب تقليدها؟”
ماذا أقصد بالحوار المؤهل؟
عندما يشعر قادة المبيعات أو تطوير الأعمال بضغط المنافسة، تكون ردة الفعل الطبيعية هي زيادة عدد الاتصالات والاجتماعات والحملات التسويقية. لكن الذكاء الاصطناعي يقودنا إلى الاتجاه المعاكس. فالحوار المؤهل لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بجودة الطرف الآخر. إنه الحوار الذي يبدأ مع شخص أو مؤسسة تمتلك مشكلة حقيقية تستطيع أنت حلها.
ويكون الطرفان مدركين منذ البداية للقيمة المتبادلة، وللنتيجة التي يسعيان إلى تحقيقها. هذه الحوارات تحقق ثلاثة أمور في الوقت نفسه:
- تقصير دورة البيع.
- رفع معدلات التحويل.
- خفض تكلفة اكتساب العميل.
واليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجعل الوصول إلى هذه الحوارات أكثر دقة من أي وقت مضى. فمن خلال تحليل السلوك الرقمي، وأنماط التفاعل السابقة، والمؤشرات السياقية، تستطيع المؤسسات تحديد الأشخاص الأكثر احتمالًا لاتخاذ قرار الشراء قبل التواصل معهم.
وهذا ليس تصورًا نظريًا، بل ممارسة بدأت العديد من المؤسسات حول العالم، وفي منطقتنا أيضًا، تعتمدها بالفعل.
والنتيجة واضحة عدد أقل من الاجتماعات، لكن جودة أعلى، وإيرادات أفضل.
لماذا يجب التفكير في تحقيق الإيرادات منذ اليوم الأول؟
من أكثر الأفكار التي أؤكد عليها عند الحديث عن استراتيجيات دخول الأسواق، أن أي مبادرة يجب أن تبدأ وهي تعرف كيف ستولد الإيرادات. ولا أقصد بذلك أن تحقق كل مبادرة أرباحًا فورية. بل أقصد أن يكون مسار تحقيق الإيرادات واضحًا ومحددًا ومتفقًا عليه داخليًا قبل إطلاق المشروع، وليس بعد أشهر من التنفيذ.
في بيئة اقتصادية تضغط على الميزانيات، لم يعد هناك مجال للمشروعات التي تعتمد على الوعود وحدها. فأي استثمار، وخاصة في الذكاء الاصطناعي، يحتاج إلى فرضية اقتصادية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآلية لإثبات العائد على الاستثمار. لأن المشروع الذي لا يستطيع إثبات قيمته المالية سيتحول سريعًا إلى بند يمكن الاستغناء عنه عند أول مراجعة للميزانية. أما المشروع الذي يمتلك رؤية واضحة لتحقيق الإيرادات، فيصبح أصلًا استراتيجيًا يصعب التخلي عنه.
الاستراتيجية تبدأ قبل أول اجتماع
ما ألاحظه في كثير من المؤسسات العربية هو أن الاهتمام يتركز على إعداد العرض التقديمي، أو صياغة الرسائل التسويقية، أو زيادة عدد الاجتماعات. لكن هذه ليست الاستراتيجية - الاستراتيجية تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ عندما تعرف المؤسسة بدقة:
من هو العميل المناسب؟
وما المشكلة التي يحاول حلها؟
ولماذا ينبغي أن يختارك أنت تحديدًا؟
وكيف ستتحول هذه العلاقة إلى قيمة اقتصادية مستدامة للطرفين؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت التكنولوجيا متاحة للجميع تقريبًا. أما القدرة على بناء الحوارات الصحيحة، مع الأشخاص المناسبين، وفي التوقيت المناسب، فهي الميزة التي ستفصل بين المؤسسات التي تنمو، وتلك التي تكتفي بمراقبة السوق وهو يتغير من حولها.
إذا كنتم تقودون استراتيجيات الأعمال، أو التحول الرقمي، أو تبني الذكاء الاصطناعي في مؤسساتكم، فسيسعدني مواصلة هذا الحوار معكم.
يمكنكم التواصل معي عبر hildamaaloufmelki.com، كما يمكنكم الاطلاع على المزيد من أفكاري في كتابي «الذكاء الاصطناعي ببساطة».
---
عن الكاتبة
هيلدا معلوف ملكي هي خبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد، وعضو رسمي في مجلس فوربس لتطوير الأعمال، ورئيسة لجنة الذكاء الاصطناعي والابتكار في أندية الليونز الدولية – المقاطعة 351 (لبنان، الأردن، وفلسطين)، ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة».
تمتلك أكثر من خمسة وعشرين عامًا من الخبرة في القطاع المصرفي، والتحول الرقمي، واستراتيجيات العلامات التجارية، والذكاء الاصطناعي. وتقدم الاستشارات للقيادات التنفيذية والمؤسسات في مجالات استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وحوكمته، والاستخدام المسؤول له، والتحول المؤسسي، بما يساعد المؤسسات على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة أعمال مستدامة وميزة تنافسية طويلة الأمد.
تابعوا AI Simplified على منصة Substack للحصول على تحليلات ورؤى مبنية على الأدلة حول الذكاء الاصطناعي، والقيادة، والحوكمة، ومستقبل الأعمال.
الموقع الإلكتروني: hildamaaloufmelki.com

