التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس الكفاءة بل إعادة تشكيل القيمة
بقلم هيلدا معلوف ملكي خبيرة الذكاء الاصطناعي في لبنان والمنطقة العربية | خبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد | عضو مجلس فوربس لتطوير الأعمال (Forbes Business Development Council) l
بصفتي خبيرة في الذكاء الاصطناعي أعمل مع مؤسسات في لبنان ومختلف أنحاء المنطقة العربية، أسمع السؤال نفسه يتكرر في معظم اجتماعات مجالس الإدارة والقيادات التنفيذية:
كيف يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة؟
أفهم تمامًا لماذا يُطرح هذا السؤال.
فالكفاءة سهلة القياس، ويمكن عرض نتائجها في تقرير لمجلس الإدارة، كما تمنح المؤسسات طريقة مريحة للحديث عن الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى إعادة التفكير في نموذج أعمالها أو طريقة عملها.
لكن الحقيقة هي أن هذا السؤال لم يعد السؤال الصحيح.
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية لأتمتة العمليات أو تقليل التكاليف، بل هو قوة اقتصادية واستراتيجية تعيد تشكيل الطريقة التي تُنشأ بها القيمة، وتُدار، وتُحافظ عليها المؤسسات.
وبينما تنشغل كثير من الشركات بتحسين العمليات الحالية، يعمل الذكاء الاصطناعي بصمت على تغيير المنطق الذي بُنيت عليه تلك العمليات منذ البداية.
لقد اعتادت المؤسسات، لعقود طويلة، العمل ضمن سلسلة قيمة تقليدية تبدأ بتطوير المنتج، ثم تسويقه، ثم توزيعه، ثم بيعه، مع اعتبار أن النمو يتحقق من خلال التوسع وزيادة الحصة السوقية وتحسين الكفاءة التشغيلية.
أما اليوم، فلم يعد الذكاء الاصطناعي يسرّع هذه السلسلة فحسب...
بل يعيد تعريفها بالكامل.
فنحن ننتقل تدريجيًا إلى نموذج اقتصادي جديد، تصبح فيه القيمة الحقيقية أقل ارتباطًا بالمنتج نفسه، وأكثر ارتباطًا بقدرة المؤسسة على فهم البيانات، واستشراف ما سيحدث لاحقًا، واتخاذ القرار المناسب قبل أن يعبّر العميل أصلًا عن احتياجه.
وهنا يبدأ الفارق الحقيقي بين المؤسسات.
فالمؤسسة التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة، تعمل على تحسين أدائها الحالي.
أما المؤسسة التي تتعامل معه باعتباره بنية تحتية استراتيجية، فهي تعيد رسم حدود السوق الذي تعمل فيه.
كيف يبدو هذا التحول داخل المؤسسات العربية؟
هذا التحول لم يعد مجرد تصور نظري.
إنه يحدث اليوم أمامنا، من بيروت إلى الرياض، ومن القاهرة إلى مختلف أسواق المنطقة العربية.
في القطاع المصرفي، لم تعد القيمة الحقيقية تتمثل في الحسابات أو المعاملات المالية بحد ذاتها.
بل أصبحت تكمن في قدرة المؤسسة على فهم سلوك العميل، وتوقع احتياجاته، وتقديم القرار المناسب في اللحظة المناسبة.
وخلال أكثر من خمسة وعشرين عامًا أمضيتها في القطاع المصرفي اللبناني قبل التفرغ للاستشارات في الذكاء الاصطناعي، رأيت كيف بدأ حجم المؤسسة يفقد أهميته تدريجيًا، بينما أصبحت جودة الفهم والقدرة على اتخاذ القرار المبني على البيانات هي العامل الأكثر تأثيرًا في بناء الميزة التنافسية.
وفي قطاع التجزئة، لم يعد المنتج هو محور عملية البيع.
بل أصبحت القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على توقع نية العميل، وتخصيص تجربته، والتأثير في رحلته الشرائية قبل أن يصل أصلًا إلى قرار الشراء.
أما في التعليم، فإن المحتوى الموحد الذي يتلقاه الجميع بالطريقة نفسها بدأ يفقد مكانته لصالح أنظمة تعليمية ذكية تتكيف مع احتياجات كل متعلم، وسرعته، وأسلوب تعلمه.
ورغم اختلاف هذه القطاعات، فإنها تشترك جميعًا في حقيقة واحدة.
لقد بدأ الذكاء الاصطناعي ينقل المؤسسات من نماذج تعتمد على تنفيذ المعاملات إلى نماذج تعتمد على فهم السلوك البشري.
وأصبح مصدر الإيرادات لا يقتصر على بيع منتج أو تقديم خدمة، بل يعتمد بصورة متزايدة على قدرة المؤسسة على تفسير السلوك الإنساني، والتنبؤ به، والاستجابة له بدقة عالية.
وهذا التحول يقلب واحدة من أكثر المسلمات رسوخًا في عالم الأعمال...
وهي أن الحجم هو مصدر القيمة.
في اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي، أصبحت الدقة في كثير من الأحيان أكثر قيمة من الحجم.
فعدد محدود من التفاعلات الذكية والشخصية قد يحقق نموًا أكثر استدامة من حملات جماهيرية واسعة لا تراعي اختلاف احتياجات العملاء.
ولهذا ستتجه المؤسسات الرائدة تدريجيًا بعيدًا عن التقسيمات التقليدية للأسواق، نحو نماذج تعتمد على خلق قيمة مستمرة، وشخصية، ومتجددة لكل عميل.
عن الكاتبة
هيلدا معلوف ملكي هي خبيرة الذكاء الاصطناعي في لبنان والمنطقة العربية، وخبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد، وعضو مجلس فوربس لتطوير الأعمال (Forbes Business Development Council)، ورئيسة لجنة الذكاء الاصطناعي والابتكار في أندية الليونز الدولية – المقاطعة 351 (لبنان، الأردن، فلسطين)، ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة». تكتب بانتظام حول استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والقيادة، ومستقبل الأعمال في عصر الذكاء الاصطناعي.
للمزيد من المقالات والتحليلات، تابعوا نشرة AI Simplified على Substack، أو زوروا:
www.hildamaaloufmelki.com
وللتعرف إلى كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة»:
www.hildamaaloufmelki.com/signature-book

