عندما أتحدث مع القيادات التنفيذية في لبنان والمنطقة العربية عن حوكمة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، كثيرًا ما أسمع الرد نفسه بصيغ مختلفة: “هذه قضايا تخص الولايات المتحدة وأوروبا. أما نحن فما زلنا في مرحلة تبني الذكاء الاصطناعي، ويمكن تأجيل الحديث عن الأخلاقيات إلى وقت لاحق.”
أعتقد أن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة.
ليس لأنه يقلل من أهمية الأخلاقيات فحسب، بل لأنه يفترض أن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مفهوم مستورد من الغرب، بينما هي في الحقيقة قضية ترتبط مباشرة بجودة القرارات، وثقة المجتمع، واستدامة المؤسسات، أينما كانت. في رأيي، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ليست عائقًا أمام التنمية في العالم العربي، بل هي الشرط الذي يجعل هذه التنمية قابلة للاستمرار.
لماذا يُنظر إلى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها قضية غربية؟
يمكن فهم هذا الانطباع.
فمعظم الأدبيات المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي خرجت من الجامعات ومراكز الأبحاث في الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن الأطر التنظيمية الأولى وضعتها الحكومات الغربية وشركات التكنولوجيا العالمية. لكن هذا لا يعني أن المشكلات التي تحاول هذه الأطر معالجتها هي مشكلات غربية فقط.
فالتحيز الخوارزمي، والقرارات التي تتخذها أنظمة لا يمكن تفسيرها، وجمع البيانات الشخصية بصورة مفرطة، والتأثير على الرأي العام عبر المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي... كلها تحديات عالمية، لا تعترف بالحدود الجغرافية.
بل إن بعضها يكتسب أهمية أكبر في منطقتنا العربية، حيث ما تزال الثقة بالمؤسسات تتأثر بعوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية معقدة، وحيث يتسارع تبني الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق سرعة تطور الأطر التنظيمية.
ماذا يحدث عندما نتعامل مع الأخلاقيات باعتبارها خيارًا؟
الكلفة الحقيقية ليست فقط كلفة السمعة. إنها كلفة تشغيلية واستراتيجية تتضاعف مع الوقت. فالمؤسسة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون ضوابط أخلاقية واضحة، لا تستطيع أن تجزم ما الذي تقوم أنظمتها بتحسينه فعليًا.
قد تعتقد أن النظام يتخذ قرارات تتوافق مع أهداف المؤسسة، لكن من دون آليات للمراجعة والتدقيق والتفسير، يبقى ذلك مجرد افتراض.
وفي قطاعات مثل المصارف، والتأمين، والرعاية الصحية، لا يمكن لمجالس الإدارة أن تبني قراراتها على الافتراضات.
فإذا صدر عن نظام ذكاء اصطناعي قرار تسبب في تمييز غير مبرر، أو أضر بعميل، أو خالف المتطلبات التنظيمية، ولم تتمكن المؤسسة من تفسير سبب حدوث ذلك، فإن الأزمة لن تقتصر على الخطأ نفسه.
بل ستتحول إلى أزمة ثقة.
وفي البيئات التي تعاني أصلًا من هشاشة الثقة، يكون فقدان المصداقية أكبر بكثير من حجم الخطأ التقني.
كيف يمكن أن تبدو حوكمة الذكاء الاصطناعي في العالم العربي؟
هذا هو السؤال الذي أجد أنه يستحق نقاشًا أعمق.
لسنا بحاجة إلى استنساخ النماذج الغربية كما هي. كما أننا لسنا بحاجة إلى تجاهلها. ما نحتاجه هو بناء أطر حوكمة تنطلق من واقعنا. أطر تراعي اختلاف البيئات التنظيمية بين دول المنطقة، وتأخذ في الاعتبار الخصوصية الثقافية واللغوية، وتعالج احتمالات التحيز في البيانات التي غالبًا ما يتم تدريب النماذج عليها في بيئات تختلف جذريًا عن مجتمعاتنا.
كما ينبغي أن تتحول الشفافية من مجرد نصوص قانونية إلى ممارسة يومية. فلا يكفي أن تعلن المؤسسة أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي. بل يجب أن تشرح، بلغة بسيطة ومفهومة، كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في القرارات التي تؤثر على العملاء، وما هي الضمانات الموضوعة لحمايتهم.
فرصة للريادة لا للتبعية
غالبًا ما يُطرح موضوع أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وكأنه التزام تنظيمي يجب الامتثال له. أما أنا فأراه فرصة استراتيجية. فالمنطقة العربية تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتطوير نماذج حوكمة تنطلق من احتياجاتها الخاصة، وتوازن بين الابتكار والمسؤولية، وبين سرعة التبني وثقة المجتمع.
وليس من الضروري أن نكون تابعين لما يطوره الآخرون. بل يمكن أن نكون من أوائل من يقدم نموذجًا إقليميًا يجمع بين التطور التقني، والخصوصية الثقافية، والحوكمة الرشيدة. لأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ليست ترفًا تنظيميًا.
إنها البنية التي تجعل الذكاء الاصطناعي جديرًا بالثقة. والثقة، في النهاية، هي الأصل الأكثر قيمة الذي يمكن لأي مؤسسة أن تمتلكه. إذا كانت مؤسستكم تعمل على تطوير استراتيجية للذكاء الاصطناعي أو بناء إطار لحوكمته، فسيسعدني مواصلة هذا الحوار معكم.
يمكنكم متابعة المزيد من مقالاتي عبر hildamaaloufmelki.com، والاطلاع على كتابي «الذكاء الاصطناعي ببساطة»، حيث أتناول هذه القضايا من منظور عملي يناسب واقع مؤسساتنا العربية.
---
عن الكاتبة
هيلدا معلوف ملكي هي خبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد، وعضو رسمي في مجلس فوربس لتطوير الأعمال، ورئيسة لجنة الذكاء الاصطناعي والابتكار في أندية الليونز الدولية – المقاطعة 351 (لبنان، الأردن، فلسطين)، ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة».
تمتلك أكثر من خمسة وعشرين عامًا من الخبرة في القطاع المصرفي، والتحول الرقمي، واستراتيجيات العلامات التجارية، والذكاء الاصطناعي. وتعمل على تقديم الاستشارات للمؤسسات والقيادات التنفيذية في مجالات استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وحوكمته، والاستخدام المسؤول له، والتحول المؤسسي، بما يساعد المؤسسات على بناء قيمة مستدامة وتعزيز الثقة في عصر الذكاء الاصطناعي.
تابعوا AI Simplified على منصة Substack للحصول على تحليلات ورؤى مبنية على الأدلة حول الذكاء الاصطناعي، والقيادة، والحوكمة، ومستقبل الأعمال.
الموقع الإلكتروني: hildamaaloufmelki.com

