لماذا تخفي سرعة تبني الذكاء الاصطناعي فجوات الحوكمة داخل المصارف اللبنانية؟
أمضيت أكثر من خمسة وعشرين عامًا في القطاع المصرفي اللبناني، وعشت عن قرب مراحل التحول الرقمي قبل أن أتفرغ للعمل مستشارة في الذكاء الاصطناعي مع مؤسسات في لبنان والمنطقة العربية.
وخلال هذه السنوات، تعلمت درسًا مهمًا.
المؤسسات لا تتعرض للمخاطر لأنها تفتقر إلى السياسات...
بل لأنها تخلط بين وجود سياسة مكتوبة وبين وجود حوكمة حقيقية.
واليوم، أرى النمط نفسه يتكرر مع الذكاء الاصطناعي.
فالعديد من المصارف بدأت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي، وتطلق مبادرات للتحول الرقمي، وتستخدم نماذج ذكية في تقييم المخاطر، وخدمة العملاء، والامتثال، وحتى منح التسهيلات الائتمانية.
لكنها، في المقابل، لم تبنِ بعد منظومة الحوكمة القادرة على إدارة هذه التقنيات بالمسؤولية المطلوبة.
وهنا يكمن الخطر.
لأن سرعة تبني الذكاء الاصطناعي أصبحت تتجاوز سرعة بناء الحوكمة.
ماذا تعني حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل المصارف؟
عندما نتحدث عن حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا نقصد وثيقة سياسات تحفظ في الأدراج.
ولا نقصد لجنة تجتمع مرة كل ثلاثة أشهر لمراجعة مؤشرات الأداء.
الحوكمة هي منظومة مستمرة تحدد:
كيف تُتخذ القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
من يتحمل المسؤولية عنها.
كيف يتم تدقيقها ومراجعتها.
وكيف تتصرف المؤسسة عندما تنتج الأنظمة الذكية نتائج غير متوقعة.
وبالنسبة للمصارف اللبنانية، فإن ذلك يعني الإجابة بوضوح عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية.
ما هي القرارات التي أصبحت الخوارزميات تؤثر فيها بالفعل؟
ومن هو المسؤول النهائي عن مراجعة هذه القرارات إذا استدعت الحاجة تدخلاً بشريًا؟
هل يمكن تدقيق مخرجات الذكاء الاصطناعي بنفس الدقة التي تُدقق بها القرارات الائتمانية أو التنظيمية الأخرى؟
وهل وضعت المؤسسة حدودًا أخلاقية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، صادق عليها مجلس الإدارة، وتُطبق فعليًا في العمليات اليومية؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
إنها أسئلة تتعلق مباشرة بإدارة المخاطر والثقة والامتثال.
لماذا يختلف الوضع في لبنان؟
يمتلك القطاع المصرفي اللبناني تجربة فريدة مع الأزمات.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن كثيرًا من أنظمة الحوكمة التي كانت تبدو قوية في الظروف الطبيعية، تعرضت لاختبارات غير مسبوقة عند وقوع الأزمات.
ولهذا يجب ألا تُبنى حوكمة الذكاء الاصطناعي على افتراض أن الظروف ستكون دائمًا مستقرة.
بل ينبغي تصميمها انطلاقًا من السؤال الأصعب:
ماذا سيحدث لأنظمة الذكاء الاصطناعي إذا دخلت المؤسسة في ظروف استثنائية؟
كيف ستُحمى البيانات؟
ومن سيتخذ القرار إذا توقفت الأنظمة أو تغيرت البيئة التنظيمية أو تعرضت المؤسسة لضغوط تشغيلية؟
الجاهزية لهذه السيناريوهات جزء أساسي من الحوكمة، وليست مرحلة لاحقة.
أين تكمن الفجوات التي ألاحظها في المصارف اللبنانية؟
أولًا: غياب المسؤولية الواضحة على مستوى مجلس الإدارة
في كثير من المؤسسات التي أتعامل معها، تُدار مبادرات الذكاء الاصطناعي من قبل إدارات التكنولوجيا أو تطوير الأعمال.
وهذا أمر طبيعي.
لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل مسؤولية الحوكمة أيضًا إلى الجهة نفسها.
فالجهة التي تُقاس نجاحاتها بسرعة التنفيذ ليست دائمًا الجهة الأنسب لإدارة المخاطر.
ولا يتعلق الأمر بالأشخاص.
بل بطريقة تصميم الهيكل المؤسسي.
فحوكمة الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون مسؤولية واضحة على مستوى مجلس الإدارة، مع صلاحيات محددة وخطوط مساءلة معروفة.
ثانيًا: ضعف قابلية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي
إذا أثّر نموذج ذكاء اصطناعي في قرار منح قرض، فهل يستطيع المصرف شرح أسباب هذا القرار للعميل بلغة واضحة ومفهومة؟
هذا السؤال لم يعد خيارًا تنظيميًا.
بل أصبح يتجه تدريجيًا ليكون أحد متطلبات الامتثال في العديد من الأطر التنظيمية الناشئة في لبنان ودول الخليج ومختلف أنحاء المنطقة العربية.
المشكلة أن كثيرًا من المؤسسات ما زالت تشتري حلولًا تعتمد على نماذج مغلقة لا تسمح بتفسير كيفية وصولها إلى نتائجها.
وفي القطاع المصرفي، لا يمكن بناء الثقة على قرارات لا يمكن تفسيرها.
ثالثًا: ضعف حوكمة البيانات
قبل أن نحكم الذكاء الاصطناعي...
علينا أولًا أن نحكم البيانات.
فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ.
إنه يتعلم من البيانات، ويبني قراراته عليها.
وفي كثير من المصارف اللبنانية، ما تزال البيانات موزعة بين أنظمة قديمة وإدارات منفصلة لا تتواصل فيما بينها بصورة فعالة.
وهذا يجعل جودة البيانات، وليس جودة الخوارزميات، هي نقطة الضعف الأساسية.
ورغم أن معالجة هذه المشكلة لا تبدو مشروعًا جذابًا من الناحية الإعلامية، فإنها تمثل الأساس الحقيقي لأي استراتيجية ناجحة في الذكاء الاصطناعي.
ماذا ينبغي أن تفعل المصارف اللبنانية؟
في رأيي، لا يتعلق النجاح فقط بما ستفعله المصارف...
بل بالترتيب الذي ستقوم به.
أولًا، يجب تحديد مسؤول واضح عن حوكمة الذكاء الاصطناعي على مستوى مجلس الإدارة، يمتلك صلاحيات محددة ويرفع تقاريره مباشرة إلى المجلس.
ثانيًا، ينبغي إجراء مراجعة شاملة لجميع الأنظمة والخوارزميات المستخدمة داخل المؤسسة، بما في ذلك النماذج التي لا تُصنف رسميًا ضمن الذكاء الاصطناعي، مثل أنظمة التقييم الائتماني، وكشف الاحتيال، وتقسيم العملاء.
ثالثًا، يجب أن تصبح قابلية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي شرطًا أساسيًا عند شراء أي حل تقني جديد.
فإذا لم يستطع المورد شرح كيفية عمل النظام بطريقة يمكن لفريقي الامتثال والشؤون القانونية فهمها، فإن هذا الحل لا يناسب بيئة مصرفية خاضعة للتنظيم.
وأخيرًا، ينبغي أن تُراجع أطر الحوكمة بصورة دورية، وألا تبقى وثيقة تُكتب عند إطلاق المشروع ثم لا يُعاد النظر فيها إلا بعد وقوع مشكلة.
الحوكمة هي ما يصنع الثقة
تمتلك المصارف اللبنانية فرصة حقيقية لبناء نموذج متقدم في حوكمة الذكاء الاصطناعي، يأخذ في الاعتبار خصوصية البيئة التنظيمية المحلية، والعلاقة القائمة على الثقة مع العملاء، والتحديات التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية.
لكن هذه الفرصة لن تبقى متاحة إلى الأبد.
فكلما تسارع تطبيق الذكاء الاصطناعي دون تطوير الحوكمة، ازدادت كلفة تصحيح المسار لاحقًا.
ولهذا، فإن أفضل وقت لبناء منظومة الحوكمة ليس بعد انتشار الذكاء الاصطناعي...
بل قبله.
عن الكاتبة
هيلدا معلوف ملكي هي خبيرة الذكاء الاصطناعي في لبنان والمنطقة العربية، وخبيرة ذكاء اصطناعي معتمدة من جامعة أكسفورد، وعضو مجلس فوربس لتطوير الأعمال (Forbes Business Development Council)، ورئيسة لجنة الذكاء الاصطناعي والابتكار في أندية الليونز الدولية – المقاطعة 351 (لبنان، الأردن، فلسطين)، ومؤلفة كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة». تكتب بانتظام حول استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والقيادة، ومستقبل الأعمال في عصر الذكاء الاصطناعي.
للمزيد من المقالات والتحليلات، تابعوا نشرة AI Simplified على Substack، أو زوروا:
www.hildamaaloufmelki.com
وللتعرف إلى كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة»:
www.hildamaaloufmelki.com/signature-book

